

إن الفايس بوك، كظاهرة شعبيّة تستقطب الآلاف يوميّـا، و يبحر خلالها مئات الآلاف كلّ يوم صارت تعتبر رقما و معادلة لا يستهان بها في نقل المعلومة و الفكرة من طرف المجتمع السياسي و المدني ومعادلة لا يستهان بها كذلك بالنسبة للمطّلع العادي الّذي يلجأ الى صفحات هذه المنضومة للحصول على خطاب مختلف و حديث صار سهل المنال ويتنافى تماما مع خطاب السّلطة الممضوغ و المستهلك منذ دهر طويل.
يصاب الملاحظ اليوم للنّقاشات الحاصلة على منضومة الفايس بوك بالأسى لما انحدرت إليه من تبادل للاتّهامات و ادّعاءات بالنّقاء الثّوري للبعض ممن تمّ تصنيفهم أو صنّفوا أنفسهم من المفكّرين أو لتنحدر الى توزيع لصكوك النّضال مثلما تقوم مجموعة أخرى نصّبت لنفسها هذه الوظيفة، لتعكس هذه المنضومة بطريقة اعتباطيّة مرايا واقع المجتمع السياسي و المدني الرّديء بتونس.
ينقسم روّاد الخطاب الفايسبوكي اليوم في تونس الى مجموعة صراعات لعلّ الصّراع الإسلامي-العلماني من أهمّها على الإطلاق، إذ تكوّنت مجموعات حمل كلّ منها لواء الدّفاع عن فكرته ليتوجّهوا الى طغيان صراع ايديولوجيّ رجعيّ اندرج في عديد المناسبات الى الشّتيمة و الثّلب في مستوى أخلاقي منحط جدّا.
مجموعة أخرى لم تتقن يوما أبسط أبجديّـات الفكر السياسي و لا تمتّ للنّشاط السياسيّ بصله و إن كانت فهي من المصابة بهوس العمل السياسي المراهق و الطّفولي، هذه المجموعة اخترعت طرقا جديدة للنّضال ألا وهو: توزيع صكوك النّضال.
و قد اعتادت هذه الأخيرة تخوين ذاك أو تجريح الآخر أو التّشكيك في نضاليّة هؤلاء و ما اليها من ممارسات لا مسؤولة تتأرجح بنا الى الوراء و تفقد هذا المجال الحيويّ الّذي عوّل عليه كثيرون شعبيّته لينفضّ جمع المتعاطفين مع الخطاب الحديث من حول الحساسيّـات السّياسيّة في هذه المنضومة الرّقميّة ويتحوّلوا الى البحث عن سبل التّرفيه من خلال ثقافة اللّهو الّتي تنحدر حتما الى مستوى متدنّي جدّا من الميوعة يظهر من خلال تحميل أفلام و صور لا أخلاقيّة.
آخرون حملوا على أنفسهم عاتق نشر أفكار التّنوير و القيم الحداثيّة، فتراهم ينزلون تعليقا في كلّ ما يمتّ للإسلام بصلة راقصين تحت يافطة التقدميّة الّتي تعوّدوا تمريرها، الى المطّلعين الجاهلين بمباحث الأمور، على صفحاتهم عن طريق نشر صور جلساتهم الخمريّة و الحميميّة مع الجنس الآخر.
مجموعة أخرى لم تتقن استعمال هذا المكسب الرّقميّ لغير تصفية بعض الحسابات الشّخصيّة الضيّقة عن طريق تجريح بعض من كانوا أكثر تفوّقا و نضاليّة منهم و لن أطيل في شرح مآربهم فقلمي أرقى من أن أتطرّق اليهم.
هكذا صار الفايس بوك منقسما الى فرق و مجموعات تتناحر من أجل اللاّشيء، صراع افتراضيّ خوفي أن ينتقل الى السّـاحات ليعمّق أزمتنا و من ورائها أزمة هذا الشّعب و هذا الوطن.
أخيرا، لست أدّعي النّقاء أو العصمة، و لكن من المنطق أن يتجاوز مثقّفونا ومناضلونا مثل هذه الممارسات الّتي لا تمّت بصلة برغبتهم في تغيير الواقع و الارتقاء نحو وضع أفضل يقدّم للمواطن التّونسي مواطنته. فلا نجد أحدا من هؤلاء يكتب نصّـا أو يزرع فكرة للخروج من بوتقة الانغلاق السياسي في البلاد، أو يحتفل بقيم الحب والجمال و الحريّة و الأخلاق ليرتقي بمتابعيه الى مستوى فكريّ متطوّر.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire