كرة القدم: من هواية تجلب البهجة والسّرور إلى وسيلة لتحقيق الاستقرار السّياسي.
لا شكّ أنّ لعبة كرة القدم تحمل السّرور والبهجة إلى قلوب متابعيها، ولكن تتصّل فئات بهذه اللّعبة الى حدّ الهوس لتصبح هذه الهواية تعصّبا أعمى تحمل صاحبها إلى ارتكاب أفعال وتصرّفات مشينة تصنّف ضمن الجريمة في بعض الأحيان.
إنّ الهوس الأعمى برياضة كرة القدم منتشر في كلّ العالم، وأصبحت مظاهره السّلبيّة جزءا أساسيّـا في أغلب المباريات، فتشهد لقاءات الفرق الكبرى في العالم حوادث الانتحار عند هزيمة الفريق المفضّل، واختطاف الرّهائن للضّغط على التّحكيم وغيرها من الممارسات، و تنتشر هذه الظّواهر خاصة في أوروبا وأمريكا اللاّتينيّة حيث تملك هذه الرّياضة إرثا تاريخيّـا وتمثّل في بعض الدّول منها عادة يوميّة على غرار البرازيل والأرجنتين.
ولم نعتد في عالمنا العربيّ أن نسمع تجاوزات خطيرة في المباريات الّتي تدار على أراضينا أو بين أنديتنا كالّتي تحصل هذه الأيّـام، و لعلّ المباراة الأخيرة الّتي شهدها التّراب المصري والّتي جمعت بين المنتخبين المصري والجزائري خير دليل على تأزّم وخطورة الوضع، حيث أصبح الشّعبين شبه متناحرين على خلفيّة هذه المباراة الّتي يترشّح الفائز فيها إلى بطولة كأس العالم.
ولفظت الأحياء المصريّة كلّ منحرفيها للتصدّي لأيّ متجوّل في مصر يشجّع الفريق الجزائريّ وكذلك فعل الشّعب الجزائريّ في الجزائر، وكأنّ الدّولتين أصلا متناحرتين، بل وشهدت عدد من الدّول الأروبية مواجهات بين جاليتي الشّعبين على خلفيّة هذه المقابلة.
ولم يكن المستهدف هو الجماهير والأحبّـاء بقدر ما كان اللاّعبون والأطر الفنيّة والاداريّة للفرق، فقد تعرّض بعض اللاّعبين الجزائريين صحبة إطارهم الفنيّ إلى عدد من الإصابات بعد أن هوجموا من طرف مشجّعين مصريّين لدى وصولهم إلى التّراب المصريّ.
وتطوّرت هذه الغيرة الكرويّة حدّ التّناحر بعد أن لعبت وسائل الإعلام المصريّة والجزائريّة دورا هام، فانطلقت حملات الدّعاية للمباراة منذ أكثر من أسبوعين، وكانت نوعيّة المادة المعروضة وعملّية الإشهار للمقابلة لا تخلو من ضخّ لمظاهر العنصريّة وبغض الطّرف الآخر والتّحقير من شأنه، ورفعت شعارات غريبة وخطيرة في نفس الوقت سرعان ما تداولها الشّـارع كـ"مصر الفراعنة مطحنة البرابرة" ...إلخ.
وكانت أغلب وسائل الاعلام القائمة بعمليّة الاشهار الموبوءة مؤسّسات رسميّة كالتّلفزيون المصري ونضيره الجزائري والصّحف الغير مستقلّة، وهنا يطرح السّؤال عن السّبب الحقيقيّ من وراء توجيه صراع شعب بأكمله نحو شعب آخر شقيق، فاتّضح أنّ لكرة القدم في العالم العربيّ مهام أخرى غير التّرفيه وإدخال البهجة لمتابعيها، انّها تحوّل احتقان الشّعوب و حقدهم على أوضاعهم الاجتماعيّة من الشّارع والمحيط الجامعيّ ومقرّات الأحزاب إلى ملاعب كرة القدم حيث يمكن السّيطرة على الجماهير باستعمال التّجهيزات والتّرسانة الأمنيّة، فلا مجال للتمتّع بالحقّ في التّعبير وتناول القضايا الوطنيّة وملف حقوق الانسان في كلّ من مصر و الجزائر، ولكن هنالك مجال لافراغ الكبت الحاصل عن طريق مقابلة كرة قدم يكون الصّراع فيها مع طرف خارجيّ لا يستطيع تأليب القوى الشّعبيّة وافهامها لطبيعة الأمور لديها بعقلانيّة.
تستعدّ الأنظمة العربيّة، من أجل الحفاظ على استقرار حكوماتها، إلى خلق خلافات و انشقاقات بين شعوبها و شعوب الجوار باعتماد الرياضة وخصوصا كرة القدم، الأكثر شعبيّة في المنطقة، وتتبعها قطعان الشّعوب المميّعة والغير واعية بكلّ بساطة، فهل يمكن لهذه الشّعوب أن تتخلّى عن خلافاتها وتتوجّه إلى عدوّها الحقيقيّ في يوم من الأيّـام؟ وهل يمكن لشعبي الجزائر ومصر أن يتّحدا لو لعب فريقاهما على الأراضي الفلسطينيّة المغتصبة على سبيل المثال؟.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire