
لم يعد يمر شهر واحد دون سماع تفاصيل مأساة حديثة تروي غرق أو فقدان مجموعة من الشباب من جنسيّـات مختلفة أغلبها تونسيّة اثر محاولتهم الذّهاب و البحث عن الحريّة و الشّغل في أوروبا.
إن الهجرة السريّة أو الحرقان كما يحلو للبعض تسميتها أصبحت في السّنوات الأخيرة إحدى المظاهر الاجتماعيّة الرّائجة جدّا، فيمكن أن نعتبرها من العادات بعد أن أصبحت قوتا يوميّـا للبعض و مهنة للبعض الآخر.
يقول خ.ش.(متحصّل على شهادة تقني سامي في الإدارة الطبيّة) و هو الّذي حاول في ثلاث مرّات أن يهاجر بصورة غير قانونيّة الى ايطاليا و أحبطت محاولاته الثّلاث في مرّتين منهما على التّراب الايطالي و يؤكّد أنّ الأمل الوحيد لبناء المستقبل و إعادة حلم تكوين العائلة و الاستقرار لن يكون إلا عن طريق الهجرة السريّة، فشل لمرّات و لكنّه أكّد على الإعادة، لم يعد باستطاعته الشّغل في أيّ وظيفة، بقي لسنتين دون عمل مناسب للشّهادة التّعليميّة الّتي تحصّل عليها و الآن أصبحت البطاقة عدد ثلاثة خاصّته تتضمّن نصّ عقوبة بالسّجن لمدّة سنة و عقوبة ثانية بالسّجن لمدّة ثمانية أشهر، فمن سيشغّله الآن؟.
هـ.ج.: (متربّص بمركز للتّكوين المهني) حاول الهجرة السريّة و لكنّه فشل و تعرّض لعقوبة السّجن و هو تلميذ الباكالوريا، لم يلقى القبول من زملائه و الإطار التربوي لدى محاولته للرّجوع لمقاعد الدّراسة اثر قضاء فترة عقوبته و وْوجه بالصّد. يدرس الآن في مركز للتّكوين المهني بشعبة لا يريدها و لم يردها يوما أين يخفي ماضيه لنفسه، يدرس ارضاءا لوالديه (العبارة كما قالها:"رضاية والدين"). لن يدّخر جهدا في المضيّ في أيّ فرصة لإعادة الكرّة و محاولة الهجرة مرّة أخرى لإيقانه أنّه لن يتحصّل أبدا على شغل و بطاقة عدد ثلاثة مشوّهة بنص عقوبة سجن.
كثيرون هم الّذين كتب لهم التّفكير من جديد في الهجرة السريّة رغم محاولاتهم السابقة الفاشلة لأسباب عديدة لعلّ المتدخّلين أعلاه وضّحوا بعضها.
إن الشاب الّذي اجتاز هذه المحنة دون المضيّ في متاهات الإدمان والانحراف يعتبر محضوضا، لكنّه سرعان ما يواجه بواقع أمر و هو تقلّص إمكانات الحصول على موطن رزق يضمن له قوته ومواطنته، و هنا هل نظرت السّلط في ضرورة إيجاد حلول لهذه الفئة المهدّدة بالتّهميش و الانحراف والّتي لا يمكن التّعاطي معها أبدا على أساس الشّذوذ فكمّها و نوعها جدّ مهمّــان؟؟.
كذلك هل فكّرت السلطة في حلول جذريّة للظّـاهرة ككل، دون الاكتفاء على الأحكام القضائيّة المشطّة و عسكرة الأمن و التّجهيزات على طول السّواحل التّونسيّة ؟؟. حلول لتثبيت شباب تونس بأرضها، وزرع قيم الثّقافة الوطنيّة فيهم خاصة في هذه الفترة الّتي تحسّن فيها الطّقس لتدفع بسماسرة مراكب الموت لترويج تجارتهم.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire