vendredi 20 novembre 2009

النّخب و السّياسة، هل من استفاقة ؟؟


ذهب أغلب المفكّرين إلى ضرورة الحفاظ على الايدولوجيا لتحديد الضّوابط و الخطوط العريضة للمجتمع، و لكن تناسوا أن كلّ فكرة تعالج بحلول من الماضي تؤسّس الى مفهوم الرّجعيّة، و بذلك تصبح الايدولوجيا مصدرا للتخلّف و الاستخفاف بواقع المجتمع.
من هنا تظهر عديد الإشكالات في التّعامل بين النّخب في تونس، إذ يطغى على الواقع السّياسي في البلاد مجموعة كبيرة من التّجاذبات دون اعتبار للمواطن البسيط و مطالبه الأبسط ليبقى هذا الأخير ضحيّة للممارسات النّخبويّة اللاّمسؤولة.
يؤكّد نيتشه في إحدى مقولاته أنّ كلّ جديد هو قديم بالضّرورة و لكنّه يحلّل بطرق أخرى مستحدثة استجابة لتطوّر المجتمعات و الأفكار و التقدّم العلمي و التّكنولوجي، و في هذا تأكيد أنّ الايدولوجيا يمكن أن تتطوّر بحسب ما يقتضيه الواقع، وهي ليست من الجماد الطّبيعي أو المقدّسات الميتافيزيقيّة الّتي يفضّل عدم التطرّق إليها احتراما لقيم الثّقافة و الهويّة، بل هي أفكار إنسانية من صنع عقل بشريّ قادر على التطوّر و البحث، فلا تأتي الايدولوجيا بمعزل عن العلوم الّتي تظهر فيها كلّ يوم قوانين جديدة وتحاليل أعمق و أصح من أخرى غابرة.
انّ النّخب التّونسيّة عانت و لازالت تعاني من انغلاق فكريّ تحكمه بعض قناعات أو بعض الوفاء لمدارس فكريّة ماضية، ليصبح حديثها خطابا خشبيّـا منغلقا على نفسه، لا يقبل النّقاش أو التّعديل، أشبه بقانون رياضيّ أو معادلة كيميائيّة لا تستقيم بدون توافر شروط معيّنة، دافعتا كلّ صاحب رأي مخالف الى صنف العداوات في حين تبقى السّلطة محكمة قبضتها على الواقع السّياسي في البلاد.
و يمكن التّغاضي عن كلّ هذه الظّواهر السّلبيّة، بدعوى أنّ هؤلاء عاشوا من التّجارب الكثير، وواجهوا عراقيل عديدة جعلت بصيص الأمل لديهم، للخروج من عنق الزّجاجة، هو التمسّك بمجموعة المنطلقات الّتي تتضمّنها بعض نصوص العائلات الفكريّة، فلا يمكن التحرّك ما لم تتوفّر شروط معيّنة، و في انتظار تتطابق الشّروط بين النظريّة و الواقع يبقون قاعدين آملين طول الصّبر. و لكن هذا الصّبر ولّد لدى هذه النّخبة نوع من الفراغ تحوّل بصورة اعتباطيّة الى نوع من الكبت في الممارسة السياسيّة لتنفجر طاقاتهم نحو نقد و ضرب و استهداف كلّ صاحب رأي مخالف أو فكر مغاير دفاعا عن نزعاتهم الذّاتيّة السّكتاريّة الضيّقة ليتسبّب ذلك في المشهد السّياسي الحالي و فسيفساء الأطراف و الأحزاب السيّــاسيّة المبعثرة في تونس الّتي لا تجمعها أيّة برامج رغم وحدانيّة الأهداف تقريبا إلا في حالات نادرة سرعان ما تصاب بدورها بذات الدّاء.
لقد عقد أبناء تونس آمالا كبيرة على النّخب التونسيّة، فشكلّوا لها أحزمة كبيرة في مناسبات عديدة لعلّ أهمّها العقد الثّـامن من القرن الماضي، و لكنّها اليوم ليست مستعدّة للتّضحية من جديد من أجل مجموعة من الأشخاص باعت لهم من الأوهام الكثير و لم يجدوا غير الصّراعات البيــنخبويّة و الّتي شرّكوا فيها بدون فهم مغزاها، أو السّجون و الاستبداد من النّظام و ضربت حركة النهضة مثلا في ذلك.
لقد تسبّبت النّخب التّونسيّة و للأسف في بناء جدار بين المواطن و المجتمع السّياسي و المدني ما جعل الشّعب يمتنع عن الممارسة السيّـاسيّة و يحمل في طيّـات مشاعره عدم ثقة بخطاباتها أو نضالاتها متمسّكين بالواقع الموجود خوفا من أن يتأزّم أكثر أو يسلّط عليهم دكتاتور أو سجّـان أعظم.
و خطورة الموضوع لا تكمن في امتناع أبناء الشّعب عن الممارسة السيّـاسيّة بقدر ما تكمن في تدجين الشّباب منها و عدم قدرتهم حتّى على فهم الممارسة السيّـاسيّة في حدّ ذاتها إلاّ فئة قليلة سأتطرّق لها في بقيّة الموضوع، لينقطع الأمل في مستقبل تكون فيه تونس ديمقراطيّة كما أرادها و يريدها الجميع.
بعض الشّباب اختاروا النّضال، و فشلت كلّ وسائل التّدجين و التّمييع في إفقادهم الالتزام و قيم الوطنيّة ولكنّهم انقسموا الى مجموعات صدّرت لأغلبهم عقد الأجيال السّـابقة، جيل الصّراع الايديولوجي، ليدخلوا في متاهات عديدة، يكفّر الأوّل الثّـاني و يتهّم الثاني الأوّل بالتخلّف و الرّجعيّة و هكذا دواليك، حتّى فقدت هذه النّسبة الصّغيرة من هذه الفئة العمريّة دورها الّذي كان من المفروض أن تتطلّع به، و تتغيّر بوصلتها من صراع بين عامة الشّعب و السّلطة الّتي تعتبر سببا في أغلب أزمات هذه البلاد إلى صراع داخل نخبة شبابيّة مثقّفة يمكن أن نطلق عليها وصف الأمل الوحيد للانتقال الدّيمقراطي في تونس.
ما يحتاج الى توضيح و لم يستطع كثيرون فهمه هو تراتبيّة الأولويّات، فهل تقدّم الايدولوجيا على الوطن؟ أم يقدّم الوطن على الايدولوجيا؟، و من هنا يدرك الأذكياء أنّ الايدولوجيا مستحدثة مقارنة بالوطن والحضارة و التّـاريخ، ليبتعد بعضهم عن هذه التّفاهات و ينضروا الى كيفيّة استغلال كلّ مجال حيويّ من أجل تباحث متطلّعات أبناء الشّعب وليتركوا هذه النّخب الّتي ناهزت أعمارها عمر الدّولة في رخائهم وجدلهم الفكري علّهم يصيبون رغم استحالة ذلك، أو يفكّرون ببعض المنطق لينقذوا أنفسهم من المضيّ مع تيار تراشق الاتّهامات و الجدل البيزنطي الّذي يحيّدهم عن دورهم الوطنيّ والشّعبيّ في توعية النّاس وتحسيسهم بمسؤوليّـاتهم تجاه تونس.
و لكن رغم ذلك كلّه، لا يمكن لأيّ منّـا أن ينكر ما تقدّمه النّخب التّونسيّة للشّباب عن طريق اختصار الطّريق لهم وتمكينهم من خلاصة نضالاتهم وخبراتهم وأخطائهم لينتفع بها هذا الجيل و لا يدخل في باب إهدار الطّـاقات و ليبحث عن سبل جديدة تضمن لهذا الشّعب الرّخاء و مناخ الحريّة، وأرجوا أن يكتفي هؤلاء بهذا الدّور فهو سام و هام ويتفادوا الدّخول بنا في متاهات ليس الزّمان أو المكان أو الوضع الحالي كفيلا للحدّ من أخطارها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire