إلى من يهمّه الأمر : الرّسالة الثالثة
يندرج هذا النّص ضمن مجموعة من النّصوص تطالعونها في الأيام المقبلة لتنقل لكم تفاصيل مثيرة، عايشتها أو علمتها من مصادر موثوق بها، تتعلّق بالشّـابة وبعض ممارسات مسئوليها.
تروي هذه القصّة وهي من الواقع، مغامرة الحصول على بطاقة ناخب من بلديّة الشّـابة، أرجوا عدم الملل من تعداد التّجاوزات.
شكرا
لعلّ أهم ما عايشناه في الأيّـام الماضية هي الانتخابات الرّئاسيّة والتّشريعيّة، وتتالت النّصوص والتّقارير حول التّجاوزات والاخلالات الّتي شابتها ولكيّ بقيت معطيات عديدة من المسكوت عنها.
في مدينة الشّـابة، تحدّث جمع غفير من المناضلين وحتّى المواطنين الغير المهتمّين بالشّأن العام عن الصّعوبات الّتي واجهتهم من أجل الحصول على بطاقة ناخب، وسأروي في هذا النّص ما حصل معي من أحداث غريبة أرجو من القارئ أن يحدّد مدى قانونيّتها ومصداقيّة الأشخاص الّذين لعبوا فيها دور البطولة.
كنت متيقّنا منذ فتح باب التّسجيل في القائمات الانتخابيّة أنّي سأجد صعوبة في ذلك، فوفّرت على نفسي عناء التّفاوض وأرق الاستماع إلى تبريرات موظّفي بلديّتنا من عبارات: "أرجع غدوة... والمسؤول موش موجود... وأرجع في العشيّة" وغيرها من العبارات ووجّهت رسالة مفتوحة مضمونة الوصول إلى رئيس البلديّة "مصطفى كمال الشابي" أطالبه فيها تسجيلي في قائمة المنتخبين.
توجّهت بعد توجيهي لتلك الرسالة بأشهر إلى مقر البلديّة فوجدت فوضى من الوثائق معلّقة في إحدى ممرّاته، بحثت جاهدا عن اسمي ولكن لم أجد له وجود، وارتأيت حسن النيّة في موظّفي بلديّتنا وعذرت لهم ذلك على أمل أن أجد اسمي مسجّلا بعد بضع أيّـام.
مرّة بضع أشهر، فتردّدت على مقر البلديّة مرارا، ولكن لم أجد خلال زياراتي قائمات معلّقة ولم أجد شخصا قادرا على إجابتي عن مكان القائمات ووجدت باب مكتب الانتخابات مقفلا في وجهي وفي وجه كلّ مستفسر عن بطاقته أو عمليّة تسجيل اسمه.
بعد بضع أيّـام أعدت الكرّة ووجدت هذه المرّة موظّفة في مكتب الانتخابات، طلبت منها بطاقتي فبحثت طويلا لكن دون جدوى، تعلّلت أنّي تحصّلت على بطاقتي منذ مدّة ولكنّي أنكرت ذلك، ثمّ نظرت لي فجأة وقالت صارخة: "أنت نزار بن حسن الّي تستعمل في الفايسبوك وقلت الّي مكتب الانتخابات مغلق؟"
أجبتها بنعم، وكان حوار طويل، أضحكني لما وجدته من مستوى رفيع في تمكّن الموظّفة من أبجديّـات عملها، لقد أخبرتني أنّ بلديّة الشّـابة خصّصت مكتبين للانتخابات، كما أخبرتني أنّ مكتبها لم تغلقه يوم رغم وجود دليل إدانة يمكن للقارئ الاطّلاع عليه والتثبّت.
استظهرت بعدها الموظّفة بملف كبير وكانت المفاجئة الأولى، تمّ تسجيل كلّ أفراد عائلتي بمكتب اقتراع قرب منزلي العائلي "دكّــان فرج العجرود" بينما تمّ تسجيلي في قائمة مكتب اقتراع "المستشفى المحليّ" وهو الّذي يبعد كثيرا عن منزلي، وتأكّدت فيما بعد أنّ أغلب النّـاشطين السّياسيّين المقلقين بمفهوم سلطنا المحليّة تمّ جمعهم في مكتب اقتراع واحد عدد المقترعين فيه قليل جدّا بالمقارنة بالمكاتب الأخرى.
وما خفي كان أعظم، استظهرت الموظّفة بملف ثان وجدت فيه إمضاء أمام اسمي وأكّدت الموظّفة أنّي استلمت بطاقتي وأنّي قمت بالإمضاء على ذلك، كان إمضاءا مدلّسا.
لم يكن ذلك غريبا، فكثيرا ما سمعت عن ممارسات شبيهة ولكنّي اتّصلت بكلّ من شابهني بالاسم في المدينة وكنت أعرفهم جميعا فمدينتنا ليس بكبيرة وأكّدوا لي أنّهم لم يتحصّلوا على أيّ بطاقة ولم يقوموا بامضاء أيّ وثيقة.
وقمت باعلام الموظّفة أنّي سأراسل كلاّ من معتمد المدينة ووالي المهديّة ووزير الدّاخليّة لفضح هذه الممارسات، رجعت إلى المنزل وماهي إلاّ بضع ساعات حتّى اتّصل بي شخص أكّد أنّه متعاون مع البلديّة في توزيع البطاقات، اعتذر وأخبرني أنّه أخطأ بتسليم بطاقتي لشخص آخر لم يعلمني من هو ولم يحمل المستخدم بين تقاسيم وجهه علامات يمكنها إقناعي بصحّة ما يدّعي.
تسلّمت بطاقتي واعتقدت أنّ حصولي على البطاقة هو آخر فصول هذه المعضلة ورغم ترسيمي في مكتب بعيد رضيت بذلك، ولكن اتّصل المستخدم الّذي مكّنني من البطاقة عديد المرّات بمنزلي وكنت غائبا عن المدينة وقتها وأخبر عائلتي أنّ عليّ امضاء وثيقة تثبت حصولي على بطاقة ناخب أو سيتعرّض إلى الطّرد كما أكّد أنّه تعرّض إلى اللّوم وممارسات أخرى بسبب عدم تحصّله على اثبات يدلّ على حصولي على البطاقة.
بعد يومين، رجعت الى المدينة واتّصلت بالمسكين فجلب لي ورقة يتيمة كتب عليها بقلم أزرق "أنّ الممضي أسفله فلان بن فلان قد تسلّم بطاقة النّـاخب خاصّتة من قبل العون فلان الفولاني" دون ذكر تاريخ أو وجود ختم أو أيّ دلالة على قانونيّة الوثيقة، كتبت فيها عددا من الملاحظات وضمّنتها ما حصل معي في البلديّة وكلّ التّواريخ وسلّمتها إلى ذات العون في مقهى الرّياضيّين وسط مدينة الشّـابة وهكذا انتهى فصل من فصول الانتهاكات في مدينتي الفاضلة، إلى رسالة قادمة أترككم تجمعون التّجاوزات وتعدّدونها خلال مطالعتكم لهذه السّطور وما خفي بينها.
نزار بن حسن
(شريط يصوّر مكتب الانتخابات مغلق في وجه المواطنين:
ولمن أراد الحصول على دليل عن الوقائع الّتي حصلت في مكتب الانتخابات ببلديّة الشّـابة الاتّصال بي وسأمكّنه من ذلك.

يا نزار،
RépondreSupprimerالمقدمة متاعك "تقتل بالضحك" -كما يقول اخوتنا في تونس- ... ولكنه ضحك بقلب يعتصر. ضحك وبكاء. توصلت إلى مدونتك من خلال الفايس بوك. وأجدك مناضلاً صامداً ثائراً ... ما أفهم من "القفة" هي الرشوة؟
كلامك زين وعين العقل. فلا تشك يوماً فيما أنت بصدده.
لا حرمك الله يوماً من رجوليتك يا أخي نزار.
على الفايس بوك "Almostanear Day"