samedi 20 février 2010


إلى من يهمّه الأمر : الرّسالة الثانية

إحدى ممارسات مسئول رفيع في مدينة الشّـابة، عادت بي الذّاكرة حين كنت تلميذا، سنة 2004، لأنقل لكم هذه القصّة من الواقع، بساطة القصّة لا تخفي خطورة الممارسة.

يندرج هذا النّص ضمن مجموعة من النّصوص تطالعونها في الأيام المقبلة لتنقل لكم تفاصيل مثيرة، عايشتها أو علمتها من مصادر موثوق بها، تتعلّق بالشّـابة وبعض ممارسات مسئوليها.

شكرا

موضوع هذا النّص يتحدّث عن المصداقيّة، قصّة قصيرة من الواقع، عادة ما عوّدنا معلّمونا عندما تتلمذنا في المدرسة أنّ لكلّ قصّة عبرة وعبرة اليوم تتحدّث عن أنّ فاقد المصداقيّة لا يمكن له بأيّ حال من الأحوال أن يكتسبها في يوم ما إلاّ إذا تاب توبة نصوحة، ومفهوم التّوبة واكتساب السّلطة لا يمكن أن يلتقيا أبدا.

العبرة الثّـانية، هي أنّ علاقة المربّي والتّلميذ هي علاقة أبويّة تجمع بين شخصين على أسس اجتماعيّة راقية تقوم على مظاهر الأبوّة والاحترام والتّسامح ولا يمكن أن تكون بكيل الفعل بالفعل، وردّ فعل التّلميذ البسيط بفعل إداري متنفّذ.

كلّ هذه العبر تحوم حولها أطوار قصّتنا، طرحنا الإشكاليات ومن ثمّ تحدّثنا عن الأطوار وكأنّنا نحلّل إحدى نظريّـات فلسفة العصر الحديث.

ترجع أطوار قصّتنا إلى سنة 2004 عندما كنت تلميذا بالمعهد الثانوي أبو القاسم الشابي بالشابة، كنّـا وقتها نشكّل الحركة التّلمذيّة بالمدينة، ننشط نقابيّـا رغم محدوديّة خبراتنا، ونتحرّك ونتظاهر استنكارا لكلّ عدوان تمرّره لنا وسائل الإعلام المهتمّة بالشّأن العربي عموما والوطنيّ خصوصا.

لا أذكر التّـاريخ تحديدا ولكنّي أذكر أنّنا كنّـا نتظاهر في ساحة المعهد وحاولنا مرارا الخروج من الباب الرّئيسيّ لننقل تحرّكنا إلى الشارع ومنه الى بقيّة المدارس الإعدادية المحيطة بنا، ولكنّنا نواجه في كلّ مرّة غطرسة مدير المعهد الّذي كان يتفانى في التّهديد والوعيد بل أنّه كان يستعمل العنف أحيانا.

كدنا نصاب بالإحباط ولكنّنا تداركنا أمورنا فاجتمعنا وتشاورنا حول سبل تنفيل هذا المعرقل، هذا المدير الّذي كان يردّد قولة :"القضيّة الفلسطينيّة جعلت لإلهاء الشّعوب عن دورها الحقيقي.."، تتالت الاقتراحات وتعدّدت الحلول وأجمعنا وقتها اعتماد سلاح "البيض"، كان الحل مضحكا آنذاك ولكنّنا أجمعنا على تنفيذه.

اقتنينا "البيض" ورجعنا لإشعال فتيل التحرّكات داخل المعهد، تشكّلت شبه مسيرة تضمّنت بضع عشرات من التّلاميذ، ابتعد القيّمون والإداريون، اتّجهنا بتحرّكنا نحو باب الإدارة وماهي إلاّ لحظات حتّى أقبل علينا المدير مهرولا، كان الزّمان والمكان مناسبان، همسنا لبعضنا البعض، تمّ رمي البيضة الأولى وأصابت الهدف مباشرة : وجه المدير، حدّق مطوّلا في ابتسامة التّلاميذ الّذين تلذّذوا ذلك النّصر العظيم ورجع أدراجه إلى الإدارة، وعلمنا أنّ الأمور لن تسير أبدا كما يرام، وسيكون انتقام المدير شديدا وبئس المصير.

اشتغل جهاز المخبرين بالمعهد، وتمّ جلب صاحب الفعلة بعد يوم واحد، تمّ استجوابه وعرضه على مجلس تأديب.

كان الوضع طبيعيّـا إلى حدّ تلك اللّحظة، ولكن تغيّرت المعطيات وأصبحنا نسمع ونلمح أحداثا غريبة، في اليوم الموالي، تمّ استدعاء صديقين تمّ اتّهامهما بالتّخطيط لعمليّة الاعتداء على المدير، أحدهما لم يكن موجودا أصلا يوم الواقعة والثّـاني لا ناقة له ولا جمل بما خطّط له ونفّذ فيما بعد، هما "نعيم: تلميذ باكالوريا، وفرج: زميلي في نفس الفصل".

ما يجمع بين الشّخصين هو نشاطهما في جمعيّة النّهوض بالطّـالب الشابي، كان التّلميذين آنذاك لا يتخلّفان عن أيّ نشاط بمقر جمعيّتنا المستقلّة، ولا يخفى عن متابعي هذه النّصوص عداء مدير المؤسّسة التّعليميّّة وهو في نفس الوقت رئيس البلديّة لجمعيّة النّهوض وأهلها وذويها لسبب وحيد : استقلاليّتها.

جلب التّلميذان كلّ الأدلّة الّتي تثبت براءتهما من التّهم المنسوبة لهما ولكن تمسّك المدير بمجلس التأديب، وحدّد يوم لذلك.

تمّ تأخير موعد انعقاد المجلس إلى ما بعد التّوقيت الإداري، وحضره أشخاص لا يمتّون بصلة بمعهدنا وليسوا أبدا من رجال التّعليم، أيقنت وقتها أنّ هنالك أمر مستراب يدور داخل أسوار إدارة معهدنا لقد تمّ طرد التّلميذين لمدّة خمسة عشر يوما ظلما وبهتانا، مجلس تأديب لأغراض انتقاميّة على خلفيّة نشاط مستقل، وتهم لا علاقة لها بالواقع.

تساءلت عن الدّليل الّذي استظهر به مدير المؤسّسة لإدانة صديقاي فكانت الإجابة : شهادة أدلى بها تلميذ تؤكّد الإدانة.

لم أستطع استيعاب ما صار فاتّصلت بالتّلميذ صاحب الشّهادة وبعد إلحاح قبل محادثتي فكانت قصّته ألعوبة كبيرة لعب دور البطولة فيها مدير المؤسّسة بمعيّة قيّمها العام.

تمّ إدراج تهم كيديّة وخطيرة ضدّ هذا التّلميذ وتمّت مساومته بين الطّرد النّهائيّ من المعهد أو تقديم شهادة زور تدين التّلميذين المطرودين، قبل المسكين العرض، كان بسيطا مرتجفا خائفا، جلبوا له ملفّـات التّلميذين وعرضوا عليه الصّور وطلبوا منه كتابة تقرير في مكتب المدير بحضور شخص المدير مصطفى كمال الشابي والقيّم العام محمّد المكشّر.

لم يكن المسكين يعرف التّلميذين الّذين شهد ضدّهما شهادة زور ولم يكن يعرف الأسباب الّتي جعلت مدير المؤسّسة يرغمه على ذلك، ولكنّه تعلّم درسا في التّربية ما كان ليتعلّمه في مؤسّسة تربويّة أخرى.

هنا فهمت بيت القصيد، وتعلّمت أحد أهمّ الدّروس في حياتي، عندما تنعدم المصداقيّة، تصبح لمؤسّسات التّربية والتّكوين دور آخر غير التّربية والتّكوين.

نزار بن حسن

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire