
عاشت بلادنا في الأيّـام السّـابقة وقع الانتخابات التّشريعيّة والرّئاسيّة، و لكنّها ليست كالانتخابات، وليس لها أيّ علاقة بمقوّمات الممارسة الدّيمقراطيّة الحقيقيّة.
لقد عاش شعب تونس بجيليه الممارسة الدّيمقراطيّة واثقا عدم تصويرها لإرادته الحقيقيّة ولا رغباته الدّفينة، فلا انتخابات الثّمانينات في العهد البورڨيبي ولا انتخابات العهد النّوفمبري كانت ممارسة ديمقراطيّة حقيقيّة تكون فيه النّتائج مرايا لما وضع في الصّناديق إن لم تكن الأوراق الموضوعة في الصّناديق أصلا مرايا لرغبات الشّعب الحقيقيّة.
إنّ السّيرورة التّـاريخيّة للأحداث تؤكّد التدرّج نحو الأحسن، و حتّى إن ذهبنا مع نيتشه في قوله بأنّ الجديد هو قديم بالضّرورة و لكنّه بصورة أحسن و أفضل، فهذا يؤكّد ضرورة أن تكون صورة السّياسة التّونسيّة هو تمشّ نحو مزيد تكريس الدّيمقراطيّة الحقيقيّة و الانفتاح نحو مجتمع مدنيّ فاعل و قويّ و تعدّديّة لها هامش من الحريّة في الاتّصال بالنّـاس.
المثال التّونسيّ كان له تمشّ ثان، فريد من نوعه على الإطلاق، تجربة تونسيّة بامتياز تمرّ فيها السّيرورة التّـاريخيّة من السيئ إلى الأسوأ.
فالانتخابات التّونسّية على غاية من الغرابة، فيمكن للمطلّع البسيط على الشّأن السّياسي التّونسي أن يلاحظ التّمايز الكبير بين الوضع السّياسي في أكتوبر 2004 و الوضع الرّاهن في أكتوبر 2009، و حتّى وضع الانتخابات الّتي نعيشها هذه الأيّـام و جل الانتخابات الّتي عاشتها تونس على مدى التّـاريخ.
إنّ استعمال مفهوم انتخابات في تونس صار يشعرني بالأرق، خاصة في حوارات مع بعض الأصدقاء من خارج تونس و المهتمّين بالشّأن السّياسيّ فيها، فالانتخابات التّونسيّة يمكن أن نطلق عليها اسما آخر غير الانتخابات، كالبيعة أو التّنصيب أو التّأكيد على شخصيّة وليّ العهد، والمقصود هنا هو طبيعة النّظام.
تشهد هذه الانتخابات فراغا سيّـاسيّـا أصبح أشبه بالهوّة، فيخيّر المواطن التّونسي في فترة الحملة الانتخابيّة بين شخصيّـات و قيادات سياسيّة تنتمي إلى نفس المجموعة تقريبا، الحزب الحاكم المحتكر للوسائل الإعلام بأنواعها و المتحكّم بها مستغلاّ بذلك جميع آليّـات الحكومة الّتي كان من المفروض أن تتمتّع بالاستقلاليّة على الأقل خلال الخمسة عشر يوما الآنفة، ومجموعة من أحزاب الموالاة ليس لها من الخطاب ما يخرج عن التّمجيد و التّهليل بالوضع السّياسي التّونسي أو بالإخلال و المشاكل الّتي تعانيها تونس بصفة حقيقيّة.
شعار الحزب الحاكم يتمثّل في رفع التحدّيات، و الّتي لا يمكن تحديدها فالحكومة في أيّـام مضت لم تكن تتحدّث عن تحدّيات غير تشريك الشّباب وجعله الحل دون تحديد ماهيّة المشكل، و هو ما يؤكّد أنّ طبيعة النّظام أصلا الطّـارح لهذا الموضوع هو المشكل الأكبر لشباب و شعب تونس.
أحزاب الموالاة تقوم كذلك برفع مجموعة من الشّعارات ليس من بينها ما توصّف فيه الوضع السّياسي التّونسي بأمانة، فتجاهلت هذه الأحزاب ما عاشته تونس من أحداث منذ الانتخابات السّـابقة، و المتمثّلة أساسا في حركة 18 أكتوبر و مطالبها و أحداث الحوض المنجمي وأحداث سليمان وارتفاع نسب الفساد المالي خاصّة داخل العائلة المقرّبة للرّئيس بن علي.
حتّى إن البعض من أحزاب الموالاة قامت بترشيح الرّئيس بن على في هذه الانتخابات على غرار حركة الدّيمقراطيّين الاشتراكيّين و الحزب الاجتماعي التحرّري، وهنا تظهر معادلة غريبة، و هي لماذا تسمّى هذه الأحزاب معارضة؟؟؟
بقيّة الأحزاب، ما يمكن تصنيفها بالمعارضة الحقيقيّة خضعت لعديد المساومات، إمّـا عن طريق الضّغط في مستوى الدّعم المالي، أو المساومة على ماهو سياسي في علاقة بمواقع معيّنة على الهرم السّياسي للبلاد، أو منهج ثاني يقرّ باتّخاذ قرار الكرامة و الوطنيّة، والمتمثّل في رفض هذه المسرحيّة الانتخابيّة.
مجموعات سياسيّة و أحزاب اختارت طريق الكرامة، ألا و هو رفع غطاء الشّرعيّة على هذا النّظام الّتي يحاول تجديد العهد معها، إنّ مقاطعة هذه الانتخابات أو الانسحاب منها كان خير طريق نحو تحقيق المطلب الشّعبي الحقيقي وهو عدم تغييب الحقائق و تزوير الواقع، قرار يحسّ المواطن التّونسيّ نفسه أمام أطراف صادقة طالما شوّهها النّظام له من قبل.
و لكن، مع الأحزاب المشاركة والّتي تتوزّع الى ديكور سياسيّ و الى أحزاب ساومت حول أهداف سياسيّة معيّنة، و الأحزاب المقاطعة و المنسحبة، فإنّ السّلطة اختارت لنفسها معنى ثان للانتخابات مثلما ذكرناه ففي أوّل النّص ألا وهو البيعة و لا شيء غيرها.
فرئيس الجمهوريّة لا يخوض حملته الانتخابيّة بنفسه بل تنوبه زوجته في ذلك، و هي أبرز مقوّمات النّظام الملكي إن أردنا أن نوصّف هذا المثال لاقترابه من الواقع في واقعنا السّياسي في تونس.
أخيرا، هنيئا لنا بهذه البيعة، و مبارك على هذا الشّعب الوفاء و الاستمراريّة لملكه القديم المتجدّد، ولترحل التعدّديّة و الانتخابات، فلم يعد لها فائدة في تونسنا اليوم.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire